ناصر تركي يكتب: نعمة الاختيار.. حين يكون العمل في الحج والعمرة تكليفًا قبل أن يكون تشريفًا
من أعظم نعم الله عليّ في مسيرتي المهنية أن اختارني – دون تخطيطٍ مني أو سعيٍ مقصود – للعمل في نشاط الحج والعمرة. ذلك النشاط الذي لا يمكن النظر إليه كوظيفة أو مهنة فحسب، بل هو في حقيقته تكليف إلهي بخدمة ضيوف الرحمن، وشرف الارتباط ببيت الله الحرام، وخدمة من قصدوُه ملبّين داعيه.
عندما أراجع بداياتي الأولى، أجد أنني كنت أعمل في مجال آخر، كبدايات أغلب الناس في حياتهم العملية، لكن دعاء الوالدين – ثم إرادة الله – كان لهما القول الفصل. اختار الله لي الطريق الأفضل، وربطني ببيته، رغم ما صاحب البدايات من صعوبات قاسية، ومشكلات متراكمة، وسوء تنظيم، وهيمنة الوسطاء على المهنة، بما أرهق العاملين وأثقل كاهل الحاج والمعتمر معًا.
لم تكن الطريق سهلة، ولم تكن التجربة وردية، لكنها كانت مليئة بالدروس. ومع مرور السنوات، شهدنا – وما زلنا نشهد – تطورًا هائلًا في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، سواء على مستوى البنية التحتية أو الإدارة أو الخدمات، إلى جانب وضوح أكبر في سياسات الثواب والعقاب، والتحول التكنولوجي الذي غيّر شكل المنظومة بالكامل، وفتح آفاقًا جديدة لتنظيم أدق، ورقابة أشمل، وتجربة أكثر أمانًا للحاج والمعتمر.
ورغم هذا التطور الكبير، ما زالت هناك ملفات تحتاج إلى وقفة جادة، واستماع حقيقي للخبراء والممارسين، سواء من داخل المملكة العربية السعودية أو من خارجها، للوصول إلى منظومة حج وعمرة خالية من المعوقات، وتليق بعظمة المقصد وقدسية المكان.
ويظل ملف التوعية أحد أهم التحديات، بل لعله الأخطر؛ توعية المواطنين من مختلف دول العالم بثقافة السلوك العام، واحترام التعليمات والأنظمة، وفهم قدسية الزمان والمكان. كما أن دور الإشراف – سواء من الشركات السعودية أو من وكلائها بالخارج – يجب أن يكون دورًا أصيلًا ومؤثرًا، لا شكليًا، لضمان تجربة إنسانية وروحانية متكاملة، يتفرغ فيها الحاج والمعتمر للعبادة، دون انشغال بمشكلات تنظيمية أو خدمية.
إنها موضوعات شائكة، لكنها تستحق حوارًا صادقًا ومتجردًا، بعيدًا عن أي مصالح خاصة أو حسابات ضيقة، حوار يكون هدفه الأول والأخير هو إرضاء رب العباد، وخدمة ضيوفه على الوجه الذي يليق بعظيم فضله وكرمه.
فالحج والعمرة ليسا مجرد مواسم.. بل أمانة، ورسالة، ونعمة تستوجب الشكر قبل أي شيء.
