التوترات الجيوسياسية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.. ومصر تعزز صمودها بالمشروعات الكبرى والسياحة

البنك الاهلى

أكد الخبير الاقتصادي مصطفى جمال أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة شديدة التعقيد، تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، في ظل استمرار التوترات بين القوى الإقليمية والدولية، إلى جانب ما وصفه بـ”هدنة هشة” بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وأوضح أن هذه الهدنة لا تعكس بالضرورة نهاية الأزمة، بل قد تكون مرحلة مؤقتة لإعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري، وهو ما ينعكس على الأسواق العالمية التي تعيش حالة ترقب مستمر لأي تطورات مفاجئة. وأشار إلى أن المستثمرين والمؤسسات الاقتصادية يتبنون سياسات حذرة في ظل هذه الأوضاع، خشية حدوث تقلبات مفاجئة تؤثر على أسواق المال والطاقة وسلاسل الإمداد.

وأضاف أن إيران لا تزال تمتلك أدوات ضغط استراتيجية مؤثرة، في مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط عالميًا. ولفت إلى أن أي تهديد لحركة الملاحة في هذا المضيق ينعكس فورًا على الأسواق، عبر ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين.

وأشار إلى أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر تأثرًا بالأزمات الجيوسياسية، خاصة بعد تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما كشف هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وأدى إلى موجات تضخم وارتفاعات في أسعار السلع والخدمات.

وأكد أن تأثير هذه الأزمات لا يقتصر على الطاقة فقط، بل يمتد إلى تكاليف النقل وأسعار الغذاء والمواد الخام، نتيجة اعتماد العديد من الصناعات على استقرار حركة التجارة الدولية. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج، ومن ثم على الأسعار النهائية للمستهلكين.

ولفت إلى أن مفهوم الأمن القومي لم يعد مقتصرًا على الجوانب العسكرية، بل أصبح يشمل أبعادًا اقتصادية واستراتيجية، مثل أمن الطاقة والغذاء واستقرار الأسواق. وأوضح أن الدول التي استثمرت في بنية تحتية قوية وتنويع مصادر الطاقة أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.

وفيما يتعلق بالاقتصاد المصري، أشار مصطفى جمال إلى أن الدولة تبنت خلال السنوات الماضية رؤية تستهدف تعزيز الاستقرار الاقتصادي عبر تنفيذ مشروعات قومية كبرى، تسهم في تحسين البنية التحتية وتحفيز الاستثمار.

وأوضح أن تطوير شبكات الطرق والموانئ والطاقة ساهم في تحسين بيئة الأعمال وخفض تكاليف التشغيل، ما يفتح المجال أمام توسع القطاع الخاص. كما أن التوسع في المدن الجديدة والمشروعات العقارية الكبرى يمثل ركيزة مهمة لدفع النمو.

وتناول مشروع “ذا سباين” باعتباره نموذجًا حديثًا للمشروعات الاستثمارية المعتمدة على القطاع الخاص، مؤكدًا أنه يعكس قدرة السوق المصرية على جذب استثمارات كبيرة وتنفيذ مشروعات بمعايير عالمية.

وأشار إلى أن هذه المشروعات تخلق تأثيرًا اقتصاديًا ممتدًا، حيث تحفز قطاعات متعددة مثل مواد البناء والصناعات المرتبطة، بما يسهم في زيادة معدلات التشغيل وتنشيط الطلب داخل السوق.

وأكد أن تعزيز دور القطاع الخاص يمثل عنصرًا أساسيًا في تحقيق التنمية، من خلال تخفيف الأعباء التمويلية على الدولة ورفع كفاءة تنفيذ المشروعات.

وفيما يخص قطاع السياحة، أوضح أنه من أكثر القطاعات تأثرًا بالأوضاع السياسية، لكنه يمتلك قدرة سريعة على التعافي. وأشار إلى أن الفترة الأخيرة شهدت تحسنًا نسبيًا في الحركة السياحية، خاصة في المدن الساحلية مثل شرم الشيخ، مع ارتفاع ملحوظ في نسب الإشغال.

وأضاف أن السوق السياحي المصري استفاد من عودة بعض الأسواق الخارجية، خاصة من شرق أوروبا وروسيا، إلى جانب زيادة الإقبال من السياح الأوروبيين، مدعومًا بالتنسيق بين الجهات المعنية لتقديم عروض تنافسية.

وأكد أن السياحة تظل مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية، ما يجعل استقرارها عنصرًا مهمًا لدعم الاقتصاد، إلى جانب أهمية تطوير الخدمات وزيادة الحملات الترويجية للحفاظ على معدلات النمو.

واختتم بأن المرحلة الحالية تتطلب سياسات مرنة واستراتيجيات طويلة المدى، مشددًا على أن الدول التي تعتمد على التنويع الاقتصادي والاستثمار في البنية التحتية وتعزيز الإنتاج المحلي ستكون الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق نمو مستدام

After Content Post
You might also like