مؤشرات متزايدة على قرب أفول عصر الوقود الأحفوري

قال الدكتور محمد الصياد، كاتب بحريني:

كثيرة هي الآراء التي تتحدث هكذا صراحة عما تسميه «أفول أو انتهاء عصر النفط» بشكل خاص، والوقود الأحفوري بشكل عام. وهي تصدر عن أوساط مختلفة، بما في ذلك من داخل مؤسسات القطاع النفطي العالمي، الإنتاجية والبحثية. ومع أننا لا نميل مطلقاً لمشاطرة هذه الأوساط رؤاها بهذا الخصوص، إلا أننا نرقب توالي المؤشرات الدالة على تقهقر هذا القطاع مقابل صعود مصادر الطاقة الأخرى الصاعدة بقوة في ميزان الطاقة العالمي، كمزاحِمة جدية للوقود الأحفوري في أسواق استهلاك الطاقة العالمية، مُزيحة له منها تدريجياً بالقضم من حصته في هذه الأسواق.

في الأشهر الأولى من الجائحة (تحديداً بعد مارس وأبريل 2020)، تراجع الطلب على النفط بنسبة 20%؛ أي ما يوازي حوالي 20 مليون برميل يومياً (إجمالي الطلب العالمي يبلغ حوالي 100 مليون برميل يومياً). كما تراجع الطلب على الفحم، وبدرجة أقل على الغاز، في حين أنه على الرغم من تراجع نمو قطاع الطاقات المتجددة إلى ما دون توقعات نموه ما قبل أزمة كوفيد  19، فإن الطلب عليه، وتحديداً قطاع توليد الطاقة من الرياح والطاقة الكهروضوئية (تحويل الضوء إلى كهرباء باستخدام أشباه الموصلات، والقصد ينصرف باختصار إلى الألواح الضوئية المعتمدة على أشعة الشمس في توليد الطاقة الكهربائية)، سيرتفع في نهاية عام 2020، بحسب وكالة الطاقة الدولية، بنسبة 10% و15% على التوالي.

وبحسب سيناريوهات مختلفة أعدتها وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد الدولي بشأن مستقبل الطلب على الأنواع المختلفة من وقود الطاقة (التقليدية والمتجددة) في ضوء أزمة كوفيد  19، فإنها جميعاً تتفق على أنه من غير المرجح أن يتعافى الطلب على الفحم إلى مستويات ما قبل الأزمة، فيما ستؤدي السياسات الاقتصادية والحكومية إلى تحويل الفحم إلى غاز في قطاعات الطاقة في العديد من البلدان («تغويز» الفحم، عملية كيميائية لتحويل الكربون في الفحم إلى مُركّبات غازية قابلة للاشتعال والاستخدام في استخلاص غاز لإنتاج الكهرباء وإنتاج مواد خام كيماوية، بعد أن كان استخدامه في السابق مقتصراً على إنارة المدن. كما يتم حالياً استخدام تقنية احتجاز الكربون وتخزينه بشكل متزايد في مشاريع «تغويز» الفحم الحديثة لمعالجة مشكلة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة باستخدام الفحم والوقود الكربوني).

كما أن الطلب على النفط سيعاني تباطؤ النمو في النقل والسفر، وكذلك التحسينات المستمرة في الكفاءة في أساطيل مركبات قطاعات النقل والمواصلات. وقد يكون الغاز، الوقود الأحفوري الوحيد الذي يُرجّح استئناف الطلب عليه بنفس زخم نموه السابق للأزمة.

ومن المؤشرات أيضاً، ما كشفت عنه مؤخراً بيانات الاتحاد النرويجي للطرق، من أن النرويج أصبحت أول دولة في العالم يتجاوز فيها بيع السيارات الكهربائية تلك التي تعمل بالبنزين والديزل والمحركات الهجينة في عام 2020، حيث شكلت مبيعات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية 54.3% من جميع السيارات الجديدة المباعة فوق أراضيها، ارتفاعاً من 42.4% في عام 2019، ومن 1% فقط من إجمالي السوق قبل عقد من الزمن.

وبإعفائها السيارات الكهربائية بالكامل من الضرائب المفروضة على تلك التي تعمل بالوقود الأحفوري، تسعى النرويج إلى أن تصبح أول دولة تُنهي بيع سيارات البنزين والديزل بحلول عام 2025، علماً بأن النرويج دولة منتجة ومصدرة للنفط (بلغ متوسط إنتاجها النفطي في العام الماضي حوالي مليوني برميل يومياً، صدَّرت منه حوالي مليون برميل يومياً، معظمه إلى بلدان القارة الأوروبية).

في عام 2015 نشر الأستاذ المحاضر في قضايا البيئة والتنمية المستدامة في جامعة ميتشجان توماس برينسن، وجاك بي مانو، أستاذ الدراسات البيئية في كلية علوم البيئة والغابات بجامعة ولاية نيويورك، وباميلا إل. مارتن، بروفيسور السياسة والعلاقات الدولية بجامعة كارولينا الساحلية، نشروا كتاباً حمل العنوان التالي: «إنهاء عصر الوقود الأحفوري».

الكتاب يرقى إلى مستوى الدعوة الصريحة من جانب علماء متخصصين في الاقتصاد المستدام وقضايا البيئة والمناخ، إلى اتخاذ الخطوة الأولى نحو حقبة ما بعد الوقود الأحفوري، من خلال ما سموه «مقاومة العنف البطيء للاستخراج والاحتراق المفرط»، والخروج من هذه الصناعة الملوِّثة، وتخيل حياة رائعة بعد الوقود الأحفوري.

هي بالتأكيد دعوة استفزازية لنزع الشرعية عن الوقود الأحفوري بدلاً من استيعابه، مصحوبة بدراسات حالة من الإكوادور، وأبالاتشيا (هي منطقة تراثية ثقافية شرقي الولايات المتحدة تمتد من جنوبي ولاية نيويورك إلى شمالي ولايتي ألاباما وجورجيا)، وألمانيا، والنرويج.

 

After Content Post
You might also like