“لماذا يفوتنا القطار دائمًا”.. كتاب يتناول قضايا المجتمع العربي
يتضمّن كتاب “لماذا يفوتنا القطار دائمًا.. الاستلاب والتقويض” للباحث د.سلطان المعاني مجموعة من المقالات التأملية التي تسلّط الضوء على قضايا راهنة محاوِلةً تلمُّس الإجابات التي قد لا تكون شافية بقدر ما هي نوافذ لتوسيع
منظور المتسائل ورؤيته لما يحيط به.
ففي حديثه عن “القرية الكونية وقيمة الاختلاف” يرى المعاني أنّ ما يحدث في العالم اليوم
من مشترك حتمي بين الناس تكرّسه قرية كونية شفافة الجدران لا مخبوء فيها ولا
مختلف؛ فالهجين المستغرب لم يعد كذلك، والفكرة التي كانت تُتداوَل على نحو طوباوي
غدت حقًا مشروعًا تصونه أخلاقيات القرية الكونية المشتركة ومؤسسات المجتمع المدني
وحقوق الإنسان.
ويعرّج المؤلف على كتابي “حرب القرية الكونية” لماك لوهان، و”أمريكا والعصر
الإلكتروني” لبريجنسكي مستشار مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس رونالد ريغان،
موضحًا أن هذين الكتابين ينبئان عن واقع جديد يقفز فوق الفواصل الجغرافية والقومية
والعرقية والدينية واللغوية، إذ خلقت حالة القرب التي أوجدتها التكنولوجيا ضميرًا كونيًا
مشتركًا. وهذا ما يؤكد عليه أيضًا حديث المعاني حول “مزاج الألفية الثالثة”، إذ يرى أن
مزاج الإنسان الجمعي على الكوكب قد تغيّر، وأن سلسلة المحرضات الكبرى التي سبقت
هذه الألفية كانت موطئات ومقدمات لهذا التغيير.
وفي مقالته “تحوّلات وانهيارات” يشير المؤلف إلى جملة من التحوّلات والانهيارات التي
شهدها العالم وتفكُّك الكثير من التكتلات السياسية في الشرق والغرب، ويرى أن الأمر في
كثير من الأحيان كان يؤشر على أيدٍ خارجية لها أهداف براغماتية، إذ تقوم بإيجاد حالة
من الفوضى الخلّاقة يندرج ضمنها ما بدأ يجتاح العالم من مشاكل وجوائح وكوارث
جماعية. ويقول المعاني: “إننا جميعًا نقف مشدوهين مع بداية الألفية الثالثة التي تسبح
عكس منطق الأشياء نابشةً مظاهر سطوتها على عقود القرن الماضي المبكرة، وكأنما لا
يستقيم أمر العالم إلّا بهذه الحالة القلقة في العلاقات بين الدول والعقائد والأيديولوجيات”.
وفي ما يخص قضية “العنف وتصنيف الذات”، يوضح المؤلف أنّ مشكلة التعصب حالة
أصيلة في مجتمعاتنا، وأننا نحاول مداراتها وإخفاءها وعدم الحديث عنها، وهذا أدّى إلى
بروز الشخصية النمطية المتعصّبة التي تلبس أقنعة تخفي وراءها ما يخالف الواقع. كما
يتناول المعاني موضوع “وسائط الإعلام وتراجع القيم” مشيرًا إلى أن وسائط الإعلام
الغربية استطاعت إحكام قبضتها على الأمور وسط استهداف غير أخلاقي في القضايا
المتعلقة بالآخر، فأخذت تعمد إلى توجيه دفة الأمور في إطار حملات ظالمة تقوم على
التزوير والتشويه، وتستهدف الأمن العقلي والنفسي والمجتمعي للإنسان، وإيصاله إلى
حالة من الاغتراب الذاتي والمجتمعي والثقافي.
وحول تحليله لـ”العقل الجمعي العربي”، يرى المعاني أنّ هذا العقل فشل في فهم وتحقيق
منطلقاته في ظل العولمة، وتاه فعله على المستويين الشعبي والسلطوي، فقبع في صفّ
متخلف عن العقل الغربي، وظل عاجزًا عن استيعاب التسلسل البشري الطبيعي بدءًا من
المجهود الفردي والعضلي، إلى تطوّره الحضاري.
وحول “ثقافة العنف والاستلاب” يعرج الباحث على كتاب “الأنماط الثقافية للعنف”
لمؤلفته باربرا ويتمر، مؤكدًا على عبثية العنف لأنه يقوض تواصل الحياة واستمراريتها،
ومشيرًا إلى حتميته التي تكمن في العجز البشري عن الوقوف عند الحد الفاصل بين
عاطفة الغضب وسلوك العنف.
ويقول المعاني إنّ هناك محددات مهمة من شأنها مواجهة العنف، ومنها مقدرتنا على
تحمّل مسؤولية سلوكنا وتغييره، وخاصة العنف الذكوري، وألّا يكون العنف خيارنا
الوحيد لحسم الصراع أو للحصول على المكاسب وتحقيق المصالح، وأن تكون نظرتنا
للمستقبل التكنولوجي نظرة أخلاقية تمكّن التواصل البشري إلى حده الأمثل، وأن نبتعد
عن الذهنية التدميرية الذرائعية في هذا الإطار التقني.
وبحسب المؤلف، فإنّ ويتمر تؤكد على الدور الاجتماعي في مواجهة الأحاسيس تهذيبًا
وتناميًا ليشكّل المجتمع خطَّ الدفاع الأول أمام انهيار الفرد وضعفه في مقابلة العدوان
والعنف.
وفي مقالته “في الماضوية والإسلاموفوبيا” يركز المعاني على وجهين؛ كيف نرى أنفسنا،
وكيف يرانا الآخر؟ وفي الحالين، نتقهقر أمام الفهم الحقيقي لروح الإسلام، فمن الهروب
أن ينساق الفرد إلى سطوة الزمان المنقضي وقوفًا عند حده، ولا يستسيغ التناغم مع فعل
أو ردات فعل سواه، فإذا كان الماضي مُعاشًا يتفاعل معنا ومع الواقع، فنحن أمام بحث
يبتغي تجديد التراث واستيعابه، وهي مشروعية ممكنة في ما لو تمت وفق أسس التراث
وسماته فلا تعرض قوالبه الجاهزة، بل يتم التعاطي مع خصائصه العامة ومراعاتها في
الحاضر تجديدًا وفق معطياته.
وبشأن الإعلام الغربي، يرى المعاني في كتابه الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون”
(2021) أنّ هذا الإعلام غير موضوعيّ ويقوم على فكرة تفوق الغرب في الجوانب كافة،
وأنه إعلام تعبوي موجه، ويكاد يقوم على غسيل الأدمغة وتجييش المشاعر ضد العرب
والإسلام والمسلمين وهو ما ولّد ما بات يُعرف في الشارع الغربي بـ”الإسلاموفوبيا”. إذ
تظهر صورة العرب والمسلمين في الإعلام الغربي نمطية وجامدة، لا تتفاعل مع
الظروف والمتغيّرات، وتمثل حالة من الجمود والتخلف والسطحية. وهي صورة ليست
جديدة بل تعود إلى بداية العلاقة التي نشأت وتطوّرت بين الغرب والإسلام خلال القرون
الأولى لظهور الإسلام، وكرّسها الأدب الشعبي البيزنطي، ثم تعمّق شعور الغرب بالخطر
الإسلامي مع قيام الدولة العثمانية ودخول أوروبا بقيادة محمد الفاتح، فانطبعت هذه
الصورة العدائية عن العرب في العالم الأوروبي، وبقيت صورة انفعالية مجبولة بالعداوة.
