قصبة الأوداية.. ذاكرة التاريخ وبوابة الرباط على الأطلسي

إطلالة مرتفعة  على ملتقى  بحر متدفق  بملتقى  المحيط  الأطلسي، تحرسها أسوار عتيقة وتحمل بين جنباتها قرونًا من تاريخ المغرب، هكذا تستقبل قصبة الأوداية زائريها باعتبارها أحد أبرز المعالم التاريخية للعاصمة الرباط، وواحدة من الشواهد الحية على تعاقب الحضارات والدول التي صنعت هوية المغرب عبر العصور

وتُعد القصبة فضاءً مفضلاً للزوار الذين يقضون ساعات النهار في التجول بحديقتها ذات الطابع الأندلسي، أو الجلوس في مقاهيها التقليدية التي تستقبل يوميًا أفواجًا سياحية من مختلف الجنسيات للاستمتاع بكؤوس الشاي المغربي بالنعناع المُحضّر على الطريقة التقليدية المعروفة بـ«الزيزوا». كما يتيح متحف القصبة للزائر فرصة الاطلاع على رصيد غني من الخزف، والأزياء التقليدية، والمجوهرات، والزرابي، والآلات الموسيقية التي تعكس تنوع الموروث الثقافي المغربي.

وتختزل قصبة الأوداية فصولًا متداخلة من تاريخ المغرب، حيث تتجاور آثار الدول التي تعاقبت على حكم البلاد خلال أكثر من عشرة قرون. ولم يقتصر دورها على بعدها التاريخي، بل تحولت إلى فضاء ثقافي حي، يحتضن تظاهرات فنية بارزة، من بينها مهرجان «جاز الأوداية» الذي يُنظم سنويًا داخل أسوارها، بمشاركة فرق موسيقية عالمية مرموقة.

من حصن عسكري إلى معلمة تاريخية

تعود بدايات قصبة الأوداية إلى القرن الثاني عشر الميلادي، حين شُيّد بها حصن «رباط بني تارغة» على قمة هضبة مشرفة على وادي أبي رقراق. واختارها سلاطين الدولة المرابطية لموقعها الاستراتيجي الرابط بين مراكش والأندلس، لتتحول إلى قاعدة عسكرية تنطلق منها الجيوش نحو شبه الجزيرة الإيبيرية. واستمر الاهتمام بها في عهد الموحدين، حيث شيد السلطان عبد المؤمن بها قصرًا ومسجدًا ومنشآت عسكرية، قبل أن يعزز يعقوب المنصور تحصيناتها ويجعلها من أقوى حصون المغرب.

ومع أفول نجم الموحدين، تعرضت القصبة للإهمال حتى وصول الموريسكيين المطرودين من الأندلس عام 1609، الذين أعادوا إعمارها وتركوا بصماتهم الواضحة في العمارة والزخرفة وأسماء الأزقة، كما اتخذوها قاعدة لشن هجمات بحرية ضد القوى الأوروبية، خاصة الإسبانية.

وخلال العهد العلوي، حظيت القصبة بعناية خاصة، لا سيما في عهد السلطان مولاي عبد الرحمن الذي شيد بابها الكبير وأسكن بها جنود قبائل الأوداية لحماية الرباط، ليحمل الموقع منذ ذلك الحين اسمه الحالي.

عمارة أندلسية شاهدة على التاريخ

تتميز قصبة الأوداية بأسوارها السميكة المبنية بالحجر والمكسوة بالطين، وأبوابها الضخمة المزخرفة بالنقوش العربية والكتابات الكوفية. كما تنتشر الأبراج الدفاعية المزودة بفتحات المدافع، في دلالة واضحة على دورها العسكري عبر التاريخ. وتُعد هندستها المعمارية، المشابهة للعمارة الأندلسية، خاصة سورها المعلق فوق صخور الشاطئ، من أبرز ملامح تميزها.

وتنقسم القصبة اليوم إلى جزء علوي يعود للعهد الموحدي، وآخر سفلي شُيّد في العهد العلوي، ويحيط بها سور يبلغ عرضه نحو 2.5 متر وارتفاعه ما بين 8 و10 أمتار. ويُعد بابها الكبير أحد أضخم الأبواب التاريخية بالمغرب، بطابعه العسكري المهيب وتصميمه المتقن.

حماية الموقع وإبراز قيمته السياحية

وشهدت السنوات الأخيرة إطلاق مشاريع ترميم وتأهيل تهدف إلى حماية قصبة الأوداية والحفاظ على قيمتها التاريخية والسياحية، من بينها مشروع نفق الأوداية الذي يهدف إلى تخفيف الضغط المروري وإعادة الربط بين المدينة العتيقة والقصبة. كما أسفرت عمليات التنقيب الأثري بالمنطقة عن اكتشافات جديدة تعود إلى العصر المرابطي، ما يعزز مكانة القصبة كموقع أثري وثقافي فريد.

وبهذا الإرث الغني، تظل قصبة الأوداية شاهدة على تعاقب الحضارات، ورمزًا للذاكرة التاريخية المغربية، ووجهة سياحية وثقافية تجمع بين عبق الماضي وجمال الحاضر

After Content Post
You might also like