الداخلة المغربية.. بوابة اقتصادية واعدة لإفريقيا وجنوب الصحراء.. مسؤولون: ميناء جديد يبدأ تشغيله في 2029.. واستثمارات بـ 77 مليار درهم.. و750 مشروعا بميزانية 2 مليار دولار في الطريق
تسير مدينة الداخلة، الواقعة بالصحراء المغربية والتي تعتبر بوابة المغرب نحو إفريقيا وجنوب الصحراء، بخطى ثابتة كأحد أبرز الأقطاب الاقتصادية الصاعدة في شمال وغرب إفريقيا.. وبجانب موقعها الاستراتيجي الفريد على المحيط الأطلسي، واستقرارها السياسي، والبنية التحتية الحديثة التي تشهد توسعًا متسارعًا، باتت الداخلة وجهة مفضلة للمستثمرين المحليين والدوليين الباحثين عن فرص واعدة في مجالات متعددة، من الطاقات المتجددة والصيد البحري، إلى السياحة البيئية واللوجستيك والصناعات الغذائية.. وخلال جولة لمجموعة من محرري الملف الدبلوماسي والشئون الخارجية المصريين، في مدينة الداخلة، أطلع الوفد على مجموعة من المشروعات الكبرى التي أطلقها المغرب ضمن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، ونستعرضها في هذا التقرير.

عمر أبركاز: ميناء الداخلة الأطلسي مشروع استراتيجي
في البداية يقول عمر أبركاز، رئيس الإدارة المالية والإدارية لميناء الداخلة الأطلسي، إن المشروع يندرج ضمن الخطة الاستثمارية التي أطلقتها الدولة منذ عام 2011 في إطار النموذج التنموي الجديد، بهدف إزالة العوائق البنيوية وتوفير بنية تحتية حديثة تدعم التنمية الاقتصادية بالأقاليم الجنوبية.
وأوضح أبركاز أن نسبة إنجاز الأشغال بلغت حاليًا حوالي 50%، مشيرًا إلى أن الانتهاء من المرحلة الأولى سيتم في نهاية عام 2028، على أن يدخل الميناء مرحلة الاستغلال سنة 2029.
وأضاف أن التكلفة الإجمالية للمشروع تصل إلى نحو 13 مليار درهم بتمويل من الدولة، وسيوفر حوالي 1800 فرصة عمل مباشرة، فضلًا عن آلاف فرص العمل غير المباشرة.
وأكد أن ميناء الداخلة الأطلسي يضم خمسة مشاريع استراتيجية، ويُعد جزءًا من منظومة لوجستية كبرى تربط المغرب بدول غرب إفريقيا، في إطار المبادرة الملكية الأطلسية الرامية إلى تعزيز التعاون جنوب–جنوب، وتسهيل ولوج دول الساحل مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد إلى الواجهة الأطلسية.
وأشار إلى أن اختيار مدينة الداخلة لاحتضان هذا المشروع يعود إلى ما تعرفه الجهة من دينامية استثمارية مهمة، حيث استفادت من برنامج واسع للاستثمارات العمومية شمل إنشاء بنى تحتية حديثة، طرقًا سريعة، مجمعات صناعية، مناطق لوجستية، ومنصات طاقية.
وأضاف أن الجهة تتوفر على إمكانات طاقية كبيرة، خاصة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، إلى جانب محطة لتحلية مياه البحر سيتم تشغيلها بالطاقات المتجددة، بما يعزز الأمن المائي ويدعم التنمية المستدامة بالمنطقة، موضحا أن ميناء الداخلة الأطلسي سيكون محورًا أساسيًا في مشروع الهيدروجين الأخضر الوطني، إذ سيمكن من نقل الهيدروجين ومشتقاته، مثل الأمونيا الخضراء والميثانول الأخضر، إلى الأسواق الدولية، خصوصًا الأوروبية التي تسعى إلى تسريع إزالة الكربون.
وأضاف أن المشروع يندرج ضمن برنامج متكامل يشمل جسرًا بحريًا وطريقًا، ومجمعًا للصيد البحري، ومنطقة صناعية ولوجستية جديدة، مؤكدًا أن عدداً من التكتلات الاستثمارية اختارت الداخلة لتنفيذ مشاريع كبرى في مجال الطاقات النظيفة.
وأشار إلى أن الطاقة الاستيعابية للميناء ستبلغ نحو 35 مليون طن من البضائع سنويًا، موزعة بين البضائع السائبة السائلة، والبضائع السائبة الصلبة، والحاويات التي تصل طاقتها إلى مليون حاوية نمطية، إضافة إلى أنشطة إصلاح السفن والصناعات المرتبطة بالصيد البحري.
وأكد أن المشروع سيساهم في جذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، خاصة مع توفر منطقة صناعية على مساحة تقدر بـ1600 هكتار، ما من شأنه إتاحة فرص عمل جديدة وتعزيز التنمية الاقتصادية بالجهة.
واختتم عمر أبركاز تصريحه بالتأكيد على أن الأشغال تسير بوتيرة متسارعة ووفق البرنامج الزمني المحدد، ليشكل ميناء الداخلة الأطلسي أحد أبرز المشاريع الجيو-استراتيجية في جنوب المغرب، وبوابة لوجستية جديدة تربط إفريقيا بأوروبا والأمريكيتين

استثمارات بـ77 مليار درهم وميناء أطلسي
من جانبه، قال الخطاط بنجا، رئيس جهة الداخلة – وادي الذهب بالمملكة المغربية، أن الحكومة المغربية تستهدف تحويل مدينة الداخلة إلى قطب اقتصادي ولوجستي إقليمي مهم، عبر تعزيز التعاون مع عدد من الدول، وتنفيذ مشروعات كبرى في مقدمتها إنشاء ميناء على المحيط الأطلسي بعمق يصل إلى 22 مترًا، بما يسمح باستقبال مختلف أنواع السفن القادمة من أوروبا وإفريقيا ودول جنوب الصحراء.
وأوضح بنجا أن مشروع الميناء الأطلسي يمثل ركيزة أساسية للتنمية بالجهة، إلى جانب مشروعات أخرى في مجالات الطاقة المتجددة والصيد البحري، مشيرًا إلى أن الداخلة تُعد أكبر قطب اقتصادي للصيد البحري والصناعات التحويلية المرتبطة به، فضلًا عن كونها واجهة سياحية واعدة للأسواق الأوروبية.
وأشار إلى أن الحكومة رصدت استثمارات تقدر بنحو 77 مليار درهم في إطار البرنامج الملكي الذي أُطلق عام 2015 لتنفيذ النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، وتشمل ثلاثة مشروعات قومية كبرى، من بينها تطوير البنية التحتية ودعم القطاع السياحي، الذي يُعد أحد القطاعات الأساسية بالجهة لما تمتلكه من مقومات طبيعية متميزة، أبرزها امتداد ساحلي بطول نحو 750 كيلومترًا على المحيط الأطلسي وخليج الداخلة المفتوح.
وأضاف أن مشروعات البنية التحتية قاربت على الانتهاء بنسبة تصل إلى 80%، في حين تم إنجاز نحو 45% من أعمال الميناء الأطلسي، مؤكدًا أن هناك مشروعين سياحيين دخلا بالفعل حيز التشغيل، ما يعكس تنامي الطلب السياحي على المدينة.
وفيما يتعلق بالربط الجوي، أوضح بنجا أن الداخلة تشهد تسيير نحو 24 رحلة أسبوعيًا من الدار البيضاء، إلى جانب رحلات من مراكش ومدن أوروبية مثل مرسيليا وفرنسا، مع خطط لفتح خطوط طيران جديدة مع ألمانيا وبريطانيا، بما يسهم في تعزيز حركة السياحة والاستثمار.
وأشار إلى أن إعداد الميزانيات المخصصة للتنمية يستند إلى 12 عاملًا رئيسيًا، من بينها الكثافة السكانية، والمساحة، والموقع الجغرافي، وحجم الناتج المحلي، لافتًا إلى وجود شراكات مستمرة مع مختلف الوزارات لإنجاز المشروعات التنموية، فضلًا عن توفر ثروات معدنية بالمنطقة لم تُستغل بعد.
وتابع بأن المغرب يستهدف جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2030، معتبرا أن الداخلة تمثل إحدى الركائز الأساسية لتحقيق هذا الهدف

أحمد كتير: 750 مشروعا بتكلفة 2 مليار دولار
أما أحمد كَتِير، رئيس المركز الجهوي للاستثمار بجهة الداخلة – وادي الذهب، فقال إن المدينة تستهدف تنفيذ مجموعة من ورش العمل والمشاريع المتكاملة لتطوير البنية التحتية وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية، في إطار التوجيهات الحكومية والرؤية الملكية السامية، التي أولت اهتمامًا خاصًا بتنمية الأقاليم الجنوبية للمملكة، ولا سيما من خلال المبادرات الملكية الموجهة نحو القارة الإفريقية.
وأوضح أن جهة الداخلة – وادي الذهب شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا ضمن برنامج التنمية الوطنية، حيث تم تنفيذ مشاريع استثمارية على مدار الأربع سنوات الماضية بقيمة إجمالية بلغت نحو 2 مليار دولار، شملت 750 مشروعًا استثماريًا في قطاعات متعددة.
وأكد أن القطاع السياحي يحظى بأولوية خاصة، من خلال تطوير أنماط سياحية مبتكرة، مثل سياحة التزلج على المياه، والسياحة الصحراوية، وسياحة رجال الأعمال، مشيرًا إلى أن الجهة تضم حاليًا 53 فندقًا سياحيًا مرخصًا، إلى جانب تلقي عدة طلبات استثمارية جديدة يجري دراستها. وأضاف أن التوجه العام يركز على تشجيع الاستثمارات في مجال الطاقات المستدامة والمشاريع الصديقة للبيئة، خاصة أن مدينة الداخلة مصنفة ضمن المدن البيئية.
وأشار كَتِير إلى أن جهة الداخلة – وادي الذهب تُعد من أبرز المناطق الاستثمارية في المغرب، بفضل موقعها الجغرافي المتميز وثرواتها الطبيعية المتنوعة، موضحًا أن شبه جزيرة الداخلة تمتد على طول 40 كيلومترًا، وبعرض يتراوح بين 4 و7 كيلومترات، ما يجعلها حاجزًا طبيعيًا يحمي خليج الداخلة ويوفر بيئة مثالية لممارسة مختلف الأنشطة الاقتصادية والسياحية.
وقال: “الداخلة ليست مجرد مدينة ساحلية، بل منصة حيوية لربط الجنوب المغربي بالمحاور الوطنية والدولية”.
وأضاف أن الجهة تضم نحو 220 ألف نسمة موزعين على 44 ألف أسرة، ويبلغ الناتج المحلي للفرد 72 ألف درهم، مقارنة بمتوسط وطني يناهز 31 ألف درهم، فيما تصل مساهمة الجهة في الناتج المحلي الإجمالي الوطني إلى 1.2%، مع معدل مساهمة في النمو الاقتصادي يبلغ 7.1%. كما لفت إلى أن معدلات الفقر بالجهة تُعد منخفضة جدًا مقارنة بالمعدل الوطني، إذ لا تتجاوز 0.4% مقابل 4.9%، مؤكدًا أن هذا الأداء يعكس فعالية السياسات المتبعة لتحفيز الاستثمار وإنجاز مشاريع استراتيجية مستدامة.
وأوضح رئيس المركز أن الجهة تشهد تنفيذ مشاريع هيكلية كبرى تهدف إلى تعزيز الربط بالمحاور الوطنية واستغلال الإمكانات الاقتصادية المتاحة، من أبرزها:
ميناء الداخلة الأطلسي الجديد، باستثمار يناهز 12.3 مليار درهم، وبطاقة استيعابية تصل إلى 35 مليون طن من البضائع ومليون حاوية، على مساحة 650 هكتارًا، ويقع على بعد 45 كيلومترًا شمال مدينة الداخلة، مؤكدًا أن الميناء سيحوّل الجهة إلى مركز لوجستي وصناعي استراتيجي في جنوب المملكة.
المنطقة الصناعية واللوجستية المحاذية للميناء، الممتدة على مساحة 1,000 هكتار، وتضم مناطق صناعية ولوجستية ومجمعات متخصصة في الصيد البحري والخدمات المشتركة، بما يوفر بيئة جاذبة للاستثمارات الوطنية والدولية.
الطريق السريع الداخلة – تيزنيت، الذي يمتد لأكثر من 1,000 كيلومتر، ويربط الجهة بالشبكة الوطنية للطرق السريعة، ويشمل أطول جسر في المغرب على وادي الساقية الحمراء بطول 1,725 مترًا، مشددًا على أن البنية الطرقية تشكل ركيزة أساسية لدعم الاستثمار والسياحة.
محطة تحلية المياه المعتمدة على طاقة الرياح، باستثمار قدره 2.42 مليار درهم، لتزويد أكثر من 5,200 هكتار من الأراضي الزراعية بالمياه، مع إنتاج كهرباء يصل إلى 60 غيغاواط/ساعة سنويًا، بما يعكس التزام الجهة بالاستدامة وحماية الموارد الطبيعية.
مشروع الري الزراعي على مساحة 5,196 هكتارًا، الذي يوفر أكثر من 10,000 فرصة عمل دائمة، وينتج سنويًا ما يزيد على 415 ألف طن من المحاصيل بقيمة مضافة تتجاوز مليار درهم، ويضم 219 مشروعًا زراعيًا بمختلف الأحجام.
الصيد البحري وتربية الأحياء المائية
وأشار كَتِير إلى أن الجهة تُعد من أغنى المناطق عالميًا من حيث الثروة السمكية، إذ تمتد السواحل الصالحة للصيد على طول 740 ميلًا بحريًا، ويبلغ الإنتاج السنوي نحو 500 مليون درهم، مع توفير 40 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، مؤكدًا دعم صغار الصيادين والمشاريع المتوسطة لتعزيز القيمة المضافة للقطاع.
وأضاف أن الجهة تضم حاليًا 120 مزرعة لتربية الأحياء المائية، من بينها 35 مزرعة عاملة، توفر أكثر من 2,500 فرصة عمل مباشرة، مع إمكانية استغلال 3,200 هكتار بحري إضافي مستقبلًا.
الزراعة وفرص الاستثمار
وأوضح أن الجهة تتمتع بإمكانات زراعية واعدة، مع أكثر من 3,000 ساعة شمسية سنويًا وهطول أمطار لا يتجاوز 50 ملم سنويًا، ما يسمح بإنتاج محاصيل عالية الجودة، مثل الطماطم الكرزية والبطيخ والتوت الأزرق، إلى جانب تربية 40 ألف جمل، و30 ألف رأس ماعز، و40 ألف رأس غنم، مع توفير أكثر من 3 ملايين يوم عمل سنويًا.
التكوين الأكاديمي والمهني
ولفت رئيس المركز، إلى أن الجهة تتوفر على منظومة تعليمية ومهنية متكاملة لتأهيل الموارد البشرية، تضم مؤسسات أكاديمية مثل المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، وكلية الطب محمد السادس، والمعهد العالي للصيد البحري، إلى جانب مؤسسات التكوين المهني، من بينها مركز المدينة للصناعات والمهارات، والمعهد المتخصص للفندقة والسياحة، والمعهد الزراعي بالداخلة.
وأكد أحمد كَتِير على أن: “جهة الداخلة – وادي الذهب أصبحت نموذجًا للتنمية الاقتصادية المتكاملة، تجمع بين البنية التحتية الحديثة، والمشاريع الصناعية والزراعية، والاستثمار السياحي والبحري، بما يجعلها بوابة استراتيجية لجذب الاستثمارات وتعزيز التنمية المستدامة في جنوب المغرب”.
