ناصر تركي يكتب: مصر وصعود طبقات اجتماعية جديدة.. الواقع والتداعيات السياسية والاجتماعية
شهدت مصر خلال العشرين عامًا الماضية تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، أنتجت فئات اجتماعية جديدة مختلفة في تكوينها عن الطبقات التقليدية.
وقد برزت هذه الفئات في الأسواق، وفي مواقع النفوذ، ثم عبرت سريعًا إلى المجالين السياسي والتشريعي، ممثلة بدخول أفراد منها إلى مجلس الشورى ومجلس النواب، في ظاهرة تستحق الدراسة والتحليل بعيدًا عن النظرة السطحية.
صعود فجائي بلا جذور اقتصادية أو اجتماعية متراكمة
لا يمكن إدراك هذه الظاهرة بمعزل عن طبيعة صعود هذه الطبقات. ففي كثير من الحالات لم تنشأ هذه الفئات عبر مسار اقتصادي طبيعي أو تدريجي، كما كان معتادًا في الماضي، حين يبني الفرد أو العائلة حضورهم عبر سنوات من العمل، التراكم، والمشاركة المجتمعية. وإنما جاء صعودهم في كثير من الأحيان سريعًا جدًا، نتيجة ركائز متعددة:
• فرص اقتصادية استثنائية
• تحولات في السياسات الاقتصادية
• استثمار لحظات من السيولة أو جني الأرباح دون هيكلة
• حضور إعلامي قوي يعيد تشكيل الصورة العامل
والنتيجة أن هذه الطبقات أصبحت تمتلك رأس المال قبل أن تمتلك الخبرة الاجتماعية أو القيم المؤسسية المتراكمة، مما خلق فجوة واضحة بين ما تملكه من موارد وما تملك من جذور ثقافية ومجتمعية.
النفوذ السياسي: من الاقتصاد إلى التشريع
الأمر الأكثر وضوحًا في السنوات الأخيرة هو امتداد هذا الصعود الاقتصادي إلى المجال السياسي. فبعض الأفراد من هذه الطبقات صاروا اليوم يمثلون أنفسهم أو أطرافهم في مجلسي الشورى والنواب، وهو انتقال يطرح عدة تساؤلات:
• هل دخول هذه الطبقات للبرلمان تنعكس فقط مصالح اقتصادية ضيقة؟
• أم أنها بوابة لاعتماد نفوذ مالي في صناعة القرار العام؟
• وكيف سيؤثر هذا التوجه على السياسات الاقتصادية والاجتماعية في المستقبل؟
الملاحظ أن الحضور في المؤسسة التشريعية لا يتطلب دومًا سيرة مهنية أو تاريخًا مؤسسيًا واضحًا، ما قد يؤدي إلى خلط بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة، وهو ما يحتاج إلى ضوابط تنظيمية وتشريعية.
الترف والإنفاق: انعكاس نفسي أم ثقافي؟
واحدة من أهم مظاهر هذا الصعود هي أساليب الإنفاق الفاخرة، والظهور الاجتماعي المكثف، والاحتفاء المبالغ فيه بالرموز والشخصيات التي تمثل هذه الطبقة. وهو نمط لا يتماشى غالبًا مع القيم والتقاليد التي اعتاد عليها المجتمع المصري، المتمثلة في الاعتدال، والترابط الأسري، واحترام الرموز الثقافية والاجتماعية.
هذا السلوك ليس محض صدفة أو ترف فارغ، بل يحمل دلالات نفسية واجتماعية:
• رغبة في محو الماضي الاجتماعي أو الاقتصادي، أو إخفاء بدايات أقل رفاهية
• محاولة لتشكيل “جاه” اجتماعي مستقل عن الأصل أو النشأة
• تعويض شعور بالنقص عبر ما يُمكن شراؤه أو عرضه
وبقدر ما قد يكون ذلك أمرًا فرديًا، فإن امتداد هذه السلوكيات إلى رموز حاضرة في مواقع النفوذ العام له تأثير واسع على الثقافة العامة، وقيم المشاركة، والتمثيل.
التأثير على القيم والتقاليد المجتمعية
ليست المشكلة فقط في الترف أو الأسلوب الحياتي، وإنما في التأثير الذي يتركه هذا النمط على أنماط التفاعل الاجتماعي والقيمي داخل المجتمع ككل:
• فقدان تدريجي لبعض المعايير الاجتماعية التقليدية
• صعود ثقافة النتائج السريعة مقابل القيم المتراكمة
• تغيّر في تصور المجتمع عن ما يعنيه النجاح والمكانة
وهذا كله يفتح بابًا واسعًا للمراجعة: هل أصبحت الرموز الاقتصادية والاجتماعية الجديدة تمثل روح المجتمع وقيمه الأصلية؟ أم أنها انعكاس لطبقة جديدة لم تنضج بعد عبر تفاعلات طويلة مع المجتمع نفسه؟
دعوة لضبط الانزلاق: إطار سياسي واجتماعي
التحولات التي تشهدها مصر ليست بالضرورة سلبية كليًا؛ فقد جلبت ديناميكية اقتصادية، وكسرًا لدوائر مغلقة، وأتاحت فرصًا جديدة لفاعل اقتصادي جديد.
إن خروج الطبقات الناشئة من مجرد امتلاك موارد إلى القدرة على التأثير في التشريع والسياسات العامة يستدعي حكمة في البناء المؤسسي، حتى لا تتحول ثورة اقتصادية إلى خلل اجتماعي طويل الأمد.
