ناصر تركي يكتب: مكة بين الذاكرة والواقع.. رحلة عمر من أواخر الثمانينات إلى اليوم

عندما تطأ قدماي أرض مكة المكرمة اليوم، لا أراها بعيني فقط، بل أراها بذاكرتي أيضًا.

ذاكرة تعود إلى أواخر الثمانينات، حين كانت منظومة السكن والفنادق في بداياتها، وحين كنا نعاني كثيرًا من ضعف التنظيم؛ من دخول المعتمرين إلى الفنادق، إلى نقل الحقائب، إلى حركة الباصات، حيث كانت كل تفصيلة تحتاج جهدًا مضاعفًا وصبرًا طويلًا.

ثم جاءت مرحلة مفصلية في تاريخ مكة، مع بداية ظهور أبراجها، وكان من أبرزها آنذاك مكة هيلتون، لتبدأ صفحة جديدة كليًا في منظومة الضيافة.

مرحلة حملت تطورًا كبيرًا، لكنها لم تكن سهلة؛ فقد كان من أصعب التحديات تنظيم دخول الباصات، وحركة سيارات نقل الحقائب، ومحاولة التوفيق بين الزحام والخدمة التي تليق بضيوف الرحمن.

Img 20260203 wa0000

واليوم… وبعد كل هذه السنوات، حضرت إلى مكة كمعتمر، ولأول مرة بلا أي ضغوط عمل.

جئت متفرغًا للعبادة والدعاء، ومستقبلًا ليلة النصف من شعبان بقلب هادئ ونية خالصة.

فقررت أن أسترجع الذكريات، وأن تكون إقامتي في فندقي المفضل: فندق مكة.

وبمحبة الأخوة الصادقة، نسقت مع أخي الحبيب أسامة رمضان، صاحب شركة متميزة في مكة، وحجزت غرفة مطلة.

ومنذ اللحظة الأولى، شعرت وكأن شريط الذكريات بدأ في الدوران من جديد؛ منذ افتتاح هذا الصرح العظيم على يد الشيخ عبد الرحمن فقيه – أطال الله في عمره – وكيف كنا نلتقي في لوبي الفندق، أصدقاء من مختلف دول العالم، تجمعنا المهنة وتجمعنا المحبة.

Img 20260203 wa0002

ومن أجمل اللحظات التي لا تُنسى، كانت أوقات معاينات الحج؛ حين كنا نجتمع جميعًا، نحجز الفيلات في الأبراج، ونستقبل الأصدقاء يوميًا في الصالونات الفاخرة.

كانت شركات السياحة آنذاك أشبه بأسرة واحدة، يسودها الود، والأخوة، والاحترام الحقيقي.

وتعمقت الذكريات أكثر عندما تجولت في المسفلة وشارع الهجرة، وشاهدت حجم التطوير الهائل، خاصة في منطقة جبل عمر؛ تلك المنطقة التي عايشت بداياتها في التسعينات، ورأيت كيف تحولت من فكرة وطموح إلى واقع حضاري متكامل.

ما شاهدته اليوم من تطوير مذهل جعلني في قمة السعادة والامتنان؛

امتنان لبلد لا يتوقف عن التطور،

وامتنان لذكريات صنعتنا،

وامتنان لرفقة جميلة جمعتنا في خدمة ضيوف بيت الله.

مكة لم تتغير فقط في عمرانها،

بل كبرت معنا، وكبرنا معها،

وبقيت دائمًا المكان الذي يجمع بين الذكرى، والسكينة، والدعاء.

Img 20260203 wa0001

خاتمة

وفي مكة… لا تكون الذكريات وحدها هي الحاضرة، بل تحضر الرحمة، ويعلو الدعاء، ويهدأ القلب.

هنا، حيث البيت العتيق، تتساوى الأعمار والتجارب، ويقف الإنسان مجردًا من كل ألقابه، لا يحمل إلا قلبه ورجاءه.

وفي هذه البقعة الطاهرة، أشعر أن كل ما مضى من تعب، وكل ما مر من سنوات، كان طريقًا يقودني إلى هذه اللحظة؛ لحظة صفاء بين يدي الله، في بلد قال عنه سبحانه:

﴿ومن دخله كان آمنًا﴾.

في مكة، لا تُقاس القيم بحجم العمران، بل بعظمة الأثر في النفوس، ولا يُقاس التطور بما شُيّد من أبراج فقط، بل بما يُبنى في القلوب من طمأنينة ويقين.

وهنا، في رحاب الحرم، أدركت أن أجمل ما في العودة إلى مكة، أن تعود كما جئت أول مرة: ضعيفًا، صادقًا، ممتلئًا دعاءً.

أسأل الله أن يديم على مكة أمنها وسكينتها، وأن يجعلها دائمًا ملاذًا للقلوب، ومهوى للأرواح، وأن يكتب لنا فيها قبول الدعاء، وصفاء النية، وحسن الخاتمة.

After Content Post
You might also like