ناصر تركي يكتب: إفطار مع الرئيس

كان لي شرف الحضور والمشاركة في حفل إفطار الأسرة المصرية بدعوة كريمة من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في لقاء رمضاني جمع أطيافاً متعددة من أبناء الوطن، من قيادات الدولة ورموز المجتمع وممثلين عن مختلف فئات الشعب المصري. وقد أقيم الحفل في أجواء اتسمت بالود والتقدير، لكنها في الوقت ذاته حملت رسائل مهمة وصريحة حول واقع الدولة المصرية وتحديات المرحلة.

لم يكن الإفطار مجرد مناسبة اجتماعية، بل كان لقاءً اتسم بالمصارحة والوضوح، حيث حرص الرئيس في كلمته على الحديث بصدق عن الظروف الإقليمية والدولية التي تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد المصري، خاصة في ظل حالة الاضطراب التي تعيشها المنطقة والعالم.

وتوقف الرئيس عند قضية رفع أسعار المنتجات البترولية، مؤكداً إدراك الدولة الكامل لحجم الضغوط التي يتحملها المواطن المصري، وأن هذه القرارات ليست سهلة، ولم تكن الدولة ترغب في تحميل المواطنين أعباء إضافية، لكن مقتضيات الواقع الاقتصادي تفرض أحياناً اتخاذ قرارات صعبة لتجنب ما هو أشد قسوة.

 

Screenshot 2026 03 14 23 27 10 20 f9ee0578fe1cc94de7482bd41accb329

ومن النقاط المهمة التي أكد عليها الرئيس خلال كلمته، توجيهه الواضح إلى رئيس مجلس الوزراء والسادة الوزراء بضرورة المصارحة الكاملة مع المواطنين من خلال المؤتمرات الصحفية ووسائل الإعلام، وشرح الحقائق بشفافية حتى تكون الصورة واضحة للجميع.

كما أكد الرئيس أن الدولة المصرية، ورغم محدودية الإمكانيات والموارد، استطاعت بتوفيق الله أن تحقق إنجازات تفوق كثيراً ما تمتلكه من قدرات، وهو أمر يشهد به الواقع في مختلف قطاعات التنمية والبنية الأساسية.

وأوضح كذلك أن مصر واجهت خلال السنوات الماضية سلسلة من التحديات القاسية والمتلاحقة؛ بداية من مكافحة الإرهاب وما استنزفه من موارد وجهود، مروراً بتداعيات جائحة كورونا التي أثرت على الاقتصاد العالمي، ثم الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.

ثم جاءت الحرب في غزة وما صاحبها من توترات إقليمية كان لها تأثير مباشر على حركة التجارة والملاحة، وهو ما انعكس على إيرادات قناة السويس التي تعد أحد أهم مصادر الدخل القومي. واليوم تواجه المنطقة تحديات جديدة نتيجة التوترات والصراعات الإقليمية التي تلقي بظلالها على استقرار المنطقة واقتصاديات العالم.

ومن العبارات التي توقفت عندها كثيراً في كلمة الرئيس تأكيده أن مصر – بفضل الله – لم تُورَّط في نزاعات وصراعات بالمنطقة رغم أن المنطقة من حولنا مشتعلة، وهو ما يعكس حرص القيادة السياسية على إدارة الملفات الإقليمية بحكمة واتزان، بما يحافظ على استقرار الدولة المصرية ويجنبها الانخراط في صراعات مباشرة.

كما أكد الرئيس أن كل هذه التطورات تحتاج إلى مصارحة مستمرة مع المواطنين. ومن وجهة نظري فإن هذه الرسالة يجب أن تكون نهجاً عاماً لكل المسئولين، فالمصارحة لا تكتمل إلا إذا صاحبها أسلوب بسيط وواضح في شرح الأمور.

فنحن عندما نخاطب الشعب لا نخاطب المتخصصين فقط، بل نخاطب عموم المواطنين، ولذلك لابد أن تصل الرسالة بلغة سهلة ومباشرة يفهمها الجميع. كما أن تكرار الشرح والتوضيح أمر ضروري، لأن ليس كل مواطن يتابع التفاصيل الاقتصادية والسياسية يومياً، وبالتالي فإن إعادة التوضيح تساعد على زيادة الفهم وتعزيز الوعي العام.

كما أشار الرئيس إلى نقطة مهمة للغاية، وهي الفرق بين الأفكار التي يتم تداولها على المنصات المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي، وبين إمكانية تطبيق هذه الأفكار على أرض الواقع. فإدارة الدول لا تقوم فقط على الرغبات أو الآراء الفردية، بل تعتمد على معلومات دقيقة، وبيانات شاملة، وحسابات معقدة تتعلق بالأمن القومي والاقتصاد وإمكانات الدولة.

فالدولة لديها من المعلومات والتقديرات ما قد لا يكون متاحاً للفرد العادي، وبالتالي فإن الفارق كبير بين فكرة يتم تداولها أو اقتراح يتم طرحه على مواقع التواصل، وبين قرار دولة يجب أن يراعي ملايين المواطنين ومصالح وطن كامل، فضلاً عن أن تطبيق أي فكرة على أرض الواقع يتطلب دراسات دقيقة وإمكانات متاحة وحسابات متعددة لا تظهر بالضرورة في النقاشات العامة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن أن تُدار الدول أو تنجح السياسات العامة فقط بالأفكار الفردية المتداولة؟

الإجابة بالطبع أن الأفكار مرحب بها دائماً، لكن نجاح الدول يعتمد على رؤية شاملة وقرارات مدروسة تأخذ في الاعتبار كل الأبعاد والتحديات.

لقد خرجت من هذا اللقاء وأنا أكثر اقتناعاً بأن الشفافية والمصارحة بلغة بسيطة وواضحة هي الطريق الأقصر لتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، وأن مصر، رغم كل ما واجهته وتواجهه من تحديات، استطاعت أن تحافظ على استقرارها وتمضي في طريق البناء والتنمية.

كان الإفطار مع الرئيس أكثر من لقاء رمضاني؛

كان رسالة مصارحة، ورسالة طمأنة، ورسالة مسئولية مشتركة بين الدولة والشعب.

حفظ الله مصر وشعبها…

ودائماً وأبداً تحيا مصر.

After Content Post
You might also like