مدينة هرر الإثيوبية.. إرث عريق وهوية إسلامية نابضة

البنك الاهلى

تُعد هرر، المعروفة بلقب “مدينة الأبواب الخمسة”، واحدة من أبرز الحواضر التاريخية في شرق أفريقيا، حيث تحولت بفضل إرثها العريق إلى مساحة حية تتلاقى فيها الثقافات، وتزدهر فيها الروحانيات خاصة خلال شهر رمضان، في مزيج فريد يجمع بين أصالة القرن الأفريقي وعمق التراث الإسلامي.

تحيط بالمدينة القديمة أسوار “جغول”، التي شُيدت في القرن السادس عشر على يد نور بن مجاهد، لتكون حصنًا منيعًا يحمي هذه الجوهرة الإسلامية، التي لعبت دورًا بارزًا كمركز إشعاع علمي وديني في المنطقة.

وتُعد هرر من أهم المراكز التاريخية للحياة الإسلامية في إثيوبيا، كما تمثل نموذجًا فريدًا للتعايش بين المسلمين والمسيحيين في أجواء يسودها الاحترام والتسامح.

وتحمل بوابات المدينة الخمس — شوا، بوداوا، سوبري، إيرير، وأروباري — رمزية تاريخية وجغرافية، إذ كانت تستقبل القوافل والزائرين، وتربط المدينة بمحيطها الخارجي، فيما تعكس في دلالاتها عمق الهوية الإسلامية.

أما أزقة المدينة الضيقة والمتعرجة، فقد صُممت بذكاء لتخفيف حدة الرياح الجبلية، وتؤدي أيضًا دورًا دفاعيًا، حيث تبدو كمتاهة للغريب، بينما يقود الحدس أبناء المدينة إلى قلبها النابض، حيث الأسواق ومراكز التجارة التي تعكس تاريخًا يمتد لقرون.

وتُعد هرر من أقدم المدن الإسلامية في شرق أفريقيا، إذ تأسست قبل أكثر من ألف عام، وتمتزج فيها ملامح الحداثة مع التقاليد العريقة، خاصة في “جغول” — المدينة القديمة — التي تعكس الطراز المعماري الإسلامي في أدق تفاصيله.

وتزخر البيوت الهررية بزخارف داخلية تعكس البعد الروحي، حيث تتجلى أسماء الله الحسنى في الأخشاب والتفاصيل المعمارية، بينما يُبنى البيت وفق نظام اجتماعي ورمزي دقيق يعكس تماسك المجتمع.

وتحفظ متاحف المدينة، مثل متحف عبد الله شريف ومتحف آرثر رامبو، ذاكرة هرر، حيث تضم مخطوطات قرآنية نادرة مكتوبة بماء الذهب، إلى جانب مقتنيات تاريخية توثق عراقة المدينة.

وتحتل القهوة الهررية مكانة خاصة في الحياة اليومية، إذ تُعد طقوس إعدادها وتقديمها جزءًا أصيلًا من الثقافة المحلية، حيث تمتد جلسات الضيافة لساعات تُروى خلالها الحكايات وتُعقد الصفقات وتُحل الخلافات.

وتلعب المرأة الهررية دورًا محوريًا في الحفاظ على التراث، فهي المسؤولة عن إدارة شؤون المنزل وصون الحرف اليدوية، كما تتجلى أناقتها في الأزياء التقليدية المزينة بالحرير والذهب والحلي الفضية الموروثة.

ومن الظواهر الفريدة في المدينة، تجربة إطعام الطيور الجارحة، حيث يعتاد السكان والسياح تقديم الطعام لها في الأسواق، في مشهد يعكس ألفة غير مألوفة بين الإنسان والطبيعة.

أما أكثر ما يميز هرر عالميًا، فهو طقس “إطعام الضباع”، حيث ينادي أحد السكان هذه الحيوانات بأسمائها ليلًا عند أسوار المدينة، ويطعمها بيده، في علاقة استثنائية تعكس فلسفة التعايش، إذ ينظر السكان إلى الضباع كجزء من منظومة الحياة، لا كخطر، بل كحارس يساهم في تنظيف البيئة وحماية المدينة.

هكذا تظل هرر مدينة متفردة، تجمع بين التاريخ والروحانية، وتقدم نموذجًا حيًا للتعايش الإنساني والتناغم مع الطبيعة

After Content Post
You might also like