عندما يتفوّق الصدق… ويسقط زيف الدراما

تحية كبيرة للفن الحقيقي… للفن الذي لا يصرخ ليُسمع، بل يهمس فيصيب القلب مباشرة.
تحية مستحقة للفنانة ريهام عبد العفور والفنان حمزة العيلي، اللذين قدّما درسًا بليغًا في التمثيل الصادق من خلال مسلسل حكاية نرجس .
في زمن امتلأت فيه الشاشات بالصخب، والمبالغة، والشخصيات المصنوعة على مقاس الإثارة الرخيصة، يأتي هذا العمل كاستثناء نادر… عمل لا يعتمد على البلطجة، ولا على الصريخ، ولا على دوائر الانتقام المكررة التي فقدت تأثيرها من كثرة الاستهلاك. هنا، نحن أمام تجربة مختلفة، تجربة تُبنى على المشاعر الإنسانية المعقدة، تلك التي لا يمكن اختزالها في أبيض أو أسود.
اللافت في الأداء ليس فقط الإتقان، بل الصدق. ريهام عبد الغفور لم تمثل… بل عاشت، وحمزة العيلي لم يؤدِ دورًا… بل قدّم حالة إنسانية كاملة التفاصيل. كل نظرة، كل صمت، كل ارتباك، كان محسوبًا بدقة، لكنه خرج بعفوية تُشبه الحقيقة أكثر مما تُشبه التمثيل.
أما الشخصية المحورية “نرجس”، فقد وضعت المشاهد في منطقة رمادية مربكة: هل نتعاطف معها أم نرفضها؟ هل نبرر أفعالها أم نحاكمها؟ هذا الصراع الداخلي هو في حد ذاته انتصار للعمل، لأنه حرّك فينا مشاعر حقيقية، وفتح باب التأمل بدلًا من تقديم إجابات جاهزة.
هذا النوع من الدراما يذكّرنا بأن الفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة للفهم… فهم النفس البشرية بكل تناقضاتها. وهنا تكمن القيمة الحقيقية، بعيدًا عن الأداء المفتعل أو القصص المستهلكة.
لذلك، ربما آن الأوان أن يتوقف البعض عن الركض وراء الوصفات الجاهزة، وأن ينظروا بجدية إلى مثل هذه التجارب. لأن الجمهور لم يعد يبحث عن الضجيج… بل عن الصدق. ..والصدق، كما أثبت هذا العمل، هو ما يبقى
