تأملات في مباراة إسبانيا ومصر ببرشلونة

بقلم: حمدي زكي (إعادة صياغة)
شهدت مدينة برشلونة مواجهة كروية مثيرة بين المنتخبين الإسباني والمصري، انتهت بالتعادل السلبي، لكنها حملت في طياتها دلالات أعمق من مجرد نتيجة المباراة. فقد عكست تعليقات وسائل الإعلام الإسبانية تفوقًا ملحوظًا للمنتخب المصري، رغم غياب نجمه الأبرز محمد صلاح، الذي ظل اسمه حاضرًا في تعليق المباراة أكثر من مرة، في إشارة إلى تأثيره الكبير حتى في غيابه.
كما نال حارس المرمى المصري أحمد شوبير إشادة واضحة على أدائه المتميز، الذي ساهم في الحفاظ على نظافة الشباك أمام منتخب قوي بحجم إسبانيا.
لكن المباراة لم تخلُ من مشاهد سلبية، حيث صدرت هتافات عنصرية من قلة من الجماهير الإسبانية ضد المسلمين، طالت أحد اللاعبين المغاربة في صفوف المنتخب الإسباني. ورغم ذلك، لم تُوجَّه أي إساءات للمنتخب المصري، كما قوبلت تلك التصرفات برفض واسع داخل المجتمع الإسباني نفسه.
وقد أدانت هذه السلوكيات جهات عدة، من بينها الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA، وسط تساؤلات عن سبب عدم إيقاف المباراة، خاصة أن اللوائح تمنح الحكم الحق في ذلك حال وقوع تجاوزات عنصرية.
في السياق ذاته، برز موقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي رفض بشكل قاطع كل أشكال التمييز، مؤكدًا أن المهاجرين يمثلون عنصرًا مهمًا في التنمية، وأنه لا يجب التفرقة بين الناس على أساس الدين أو اللون. وقد أسهمت مواقفه في تعزيز شعبيته، مقابل انتقادات من أحزاب اليمين المتطرف، وعلى رأسها حزب Vox، الذي تبنى خطابًا مناهضًا للهجرة.
وفي الإعلام الإسباني، ظهرت أصوات قوية ترفض العنصرية، حيث أعربت إعلاميات عن استيائهن من هذه التصرفات، بل وصل الأمر إلى حد التعبير عن الشعور بالخجل منها، مع التأكيد على أن ربط الجرائم بالمهاجرين، خاصة المسلمين، يمثل ظلمًا وتعميمًا غير مقبول.
وتعكس هذه الواقعة انقسامًا داخل المجتمع الإسباني بين تيار منفتح يرفض العنصرية، وآخر متشدد يسعى إلى تحميل المهاجرين مسؤولية مشكلات المجتمع. إلا أن الغالبية، وفق ما ظهر، تقف ضد هذا التوجه المتطرف.
ومن زاوية أوسع، تعيد هذه الأحداث التذكير بعمق العلاقات التاريخية والثقافية بين إسبانيا والعالم العربي، حيث لا تزال آثار الحضارة الإسلامية، مثل قصر الحمراء ومسجد قرطبة، تمثل أحد أهم عناصر الجذب السياحي في إسبانيا، وشاهدًا على إسهام المسلمين في نهضتها الحضارية.
ويستدعي ذلك التأكيد على أن الإرهاب لا دين له، وأن ربطه بأي عقيدة هو اختزال مخلّ، يفتح الباب لمزيد من الانقسام. فالقيم الإنسانية المشتركة، القائمة على التسامح والاحترام المتبادل، تظل الأساس الحقيقي للتعايش بين الشعوب.
وفي النهاية، لم تكن مباراة كرة قدم مجرد لقاء رياضي، بل تحولت إلى مرآة تعكس قضايا أعمق تتعلق بالهوية، والهجرة، والتعايش، في عالم لا يزال يبحث عن التوازن بين الاختلاف والإنسانية المشتركة
