حين يصبح الصمت أداة سيادية: قراءة في دهاء إدارة الأزمات

البنك الاهلى

ابقلم – اللواء م. علي بن حسن الزهراني

في عصر تتدفق فيه المعلومات قبل اكتمالها، وتتصدر ردود الفعل المشهد قبل نضج التحليل، تتباين أساليب إدارة الأزمات بين الاندفاع نحو التصريح، والتريث القائم على حسابات دقيقة. وهنا تبرز مقاربة مختلفة، لا ترى في الصمت غيابًا، بل تعتبره أداة واعية للسيطرة والتحكم.

ما شهدناه مؤخرًا في التعامل مع استهداف منشآت الطاقة يعكس تحولًا نوعيًا في فلسفة إدارة الأزمات؛ إذ لم يكن الإفصاح الفوري هو الخيار الأمثل، بل جرى تأجيل الإعلان حتى تكتمل الصورة، وتُحكم السيطرة على تداعيات الحدث ميدانيًا واقتصاديًا وإعلاميًا، قبل طرحه أمام الرأي العام.

في أسواق الطاقة العالمية، لا يرتبط تأثير الأزمات بحجمها فقط، بل بطريقة عرضها. فالمعلومات غير المكتملة قد تفتح المجال أمام المضاربات، وتغذي حالة من القلق تؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار. ومن هذا المنطلق، جاء ضبط توقيت الإعلان كأداة استراتيجية، نقلت الحدث من دائرة الغموض إلى إطار محسوب يمكن استيعابه دون إرباك الأسواق.

غير أن الصمت لم يكن فترة جمود، بل مرحلة عمل مكثف. خلال هذه الفترة، جرى احتواء الأضرار، وإعادة ترتيب الإمدادات، والاستفادة من المخزونات، وتأمين بدائل فعّالة. وعندما صدر الإعلان، كان الواقع قد تجاوز ذروة الأزمة، وأصبح تحت السيطرة الفعلية.

وعلى المستوى الاستخباراتي، أتاح هذا النهج مساحة زمنية مهمة لتحليل الهجوم، وتتبع مساراته، وتحديد الجهات المرتبطة به، دون منح الخصوم فرصة لإعادة التموضع أو الاختفاء. وهنا يتجلى الصمت كأداة فاعلة في إدارة الصراع، لا مجرد غياب للمعلومة.

إعلاميًا، ساهم هذا الأسلوب في تقليص الأثر النفسي للحدث قبل تضخمه، إذ تم تحييد عنصر المفاجأة والتهويل، وإعادة تقديم الواقعة ضمن إطار تقني محدود، بعيدًا عن الضجيج، ما أفقدها قيمتها الدعائية.

وفي هذا السياق، برز الإعلام كجبهة موازية تُدار بحرفية، ليس فقط لنقل الوقائع، بل لصياغة سرديتها، ومنع الأطراف الأخرى من احتكار تفسيرها أو توجيه رسائلها.

الرسالة التي حملها هذا النهج جاءت هادئة لكنها حاسمة: أن التحكم في توقيت الإعلان يُعد أحد أشكال الردع المتقدمة. فالدولة التي تختار متى تتحدث وكيف تتحدث، تؤكد امتلاكها لزمام المبادرة، وعدم خضوعها لضغوط الحدث.

كما أن الإعلان لم يكن موجهًا للأسواق وحدها، بل شكّل جزءًا من بناء ملف متكامل للتوثيق والمساءلة، يتيح التحرك القانوني والسياسي في التوقيت المناسب، ويؤسس لمواقف تستند إلى الأدلة لا الانفعالات.

في المحصلة، لم يكن ما جرى مجرد إدارة أزمة، بل إدارة مشهد متكامل تداخلت فيه الأبعاد الاقتصادية والأمنية والإعلامية والسياسية ضمن منظومة واحدة، أُديرت بثقة واتزان.

وهنا يتجلى الفارق الجوهري: بين من يلاحق الحدث، ومن يعيد صياغته.

فالصمت، في هذا السياق، لم يكن فراغًا… بل كان قرارًا سياديًا بامتياز

After Content Post
You might also like